المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إنذار


شوق الجنان
23-06-2003, 12:03 AM
عشت مرحلتي الدراسية الأولى مع والدي .......
في بيئة صالحة أسمع دعاء أمي وأنا عائد من سهري آخر الليل .
اسمع صوت أبي في صلاته الطويلة .. طالما كنت أقف متعجباً من طولها .. خاصة عندما يحلو النوم أيام الشتاء البارد ...
أتعجب في نفسي وأقول .. ما اصبره .. كل يوم هكذا .. شئ عجيب .
لم أكن أعرف أن هذه هي راحة المؤمن وأن هذه هي صلاة الأخيار .. يهُبون من فرشهم لمناجاة الله ..
بعد المرحلة التي قطعتها في دراستي العسكرية .. ها قد كبرت وكبر معي بعدي من الله ..
على الرغم من النصائح التي أسمعها وتطرقُ مسامعي بين الحين والآخر ..
عُينت بعد تخرجي في مدينة غير مدينتي وتبعد عنها مسافة بعيدة .. ولكن معرفتي الأولى بزملائي في العمل خففت ألم الغربة على نفسي ..
انقطع عن مسامعي صوت القرآن .. انقطع صوت أمي التي توقظني للصلاة وتحثني عليها .. أصبحت أعيش وحيداً .. بعيداً عن الجو الأسري الذي عشته من قبل ..
تم توجيهي للعمل في مراقبة الطرق السريعة ..في أطراف المدينة للمحافظة على الأمن ومراقبة الطرق ومساعدة المحتاجين .. كان عملي متجدداً وعشت مرتاحاً .. أؤدي عملي بجد وإخلاص .. ولكني عشت مرحلة متلاطمة الأمواج ..
تتقاذفني الحيرة في كل اتجاه .. لكثرة فراغي .. وقلة معارفي .
وبدأت أشعر بالملل .. لأم أجد من يعينني على ديني .. بل العكس هو الصحيح ..
من المشاهد المتكررة في حياتي العملية الحوادث والمصابين ..
ولكن كان يوماً مميزاً ..
في أثناء عملنا توقفت أنا وزميلي على جانب الطريق .. نتجاذب أطراف الحديث .
فجأة سمعنا صوت ارتطام قوي ..
أدرنا أبصارنا .. فإذا بها سيارة مرتطمة بسيارة أخرى كانت قادمة من الاتجاه المقابل .. هبينا مسرعين لمكان الحادث لإنقاذ المصابين ..
حادث لا يكاد يوصف .. شخصان في السيارة في حالة خطيرة .. أخرجناهما من السيارة .. ووضعناهما ممدين ..
أسرعنا لإخراج صاحب السيارة الثانية .. الذي وجدناه فارق الحياة .. عدنا للشخصين فإذا هما في حالة احتضار ..
هب زميلي يلقنهما الشهادة ..
قولوا لاإله إلا الله .. لا إله إلا الله ..
لكن ألسنتهما أرتفعت بالغناء .. لأرهبني الموقف .. وكان زميلي على عكسي يعرف أحوال الموت .. أخذ يعيد عليهما الشهادة ..
وقفت منصتاً .. لم أحرك ساكناً شاخص العينين أنظر .. لم أر في حياتي موقفاً كهذا .. بل قل لم أر الموت من قبل وبهذه الصورة .. أخذ زميلي يردد عليهما كلمة الشهادة .. وهما مستمران في الغناء ..
لا فائدة ..
بدأ صوت الغناء يخفت .. شيئاً فشيئاً .. سكت الأول وتبعه الثاني .. لاحراك ..
• فارقا الحياة .
حملناهما في السيارة.. وزميلي مطرق لا ينبس ببنت شفه.. سرنا مسافة قطعها الصمت المطبق..
قطع هذا الصمت صوت زميلي فذكر لي حال الموت وسوء الخاتمة.. وإن الإنسان يختم له إما بخير أو شر .. وهذا الختام دلالة لما كان يعمله الإنسان في الدنيا غالباً . وذكر لي القصص الكثيرة التي رويت في الكتب الإسلامية .. وكيف يختم للمرء على ما كان عليه بحسب ظاهره وباطنه ..
قطعنا الطريق إلى المستشفى في الحديث عن الموت والأموات ..
وتكتمل الصورة عندما أتذكر أننا نحمل أمواتاً بجوارنا ..
خفت من الموت واتعظت من الحادثة .. وصليت ذلك اليوم صلاة خاشعة ..
ولكن نسيت هذا الموقف بالتدريج ..
بدأت أعود إلى ما كنت عليه . وكأني لم أشاهد الرجلين وما كان منهما .. وكن الحقيقة أصبحت الأحب الإاني .. ولا أتلهف عليها كسابق عهدي .. ولعل ذلك مرتبط بسماعي للغناء الرجلين حال احتظارهما ..
• من عجائب الأيام ..
بعد مدة تزيد على ستة أشهر .. حصل حادث عجيب .. شخص يسير بسيارته سيراً عاددياً .. وتعطلت سيارته . . في أحد الأنفاق المؤدية إلى المدينة ..
ترجل من سيارته ..لاصصلاح العطل في أحد العجلات .. عندما توقف خلف سيارته .. لكي ينزل العجله السليمة ..
جاءت سيارة مسرعة . وارتطمت به من الخلف .. سقط مصاباً إصابات بالغة ..
حضرت أنا وزميل آخر غير الأول .. حملناه معنا في السيارة وقمنا بالاتصال بالمستشفى لاستقباله ..
شاب في مقتبل العمر .. متدين يبدو ذلك من مظهره ..
عندما حملناه سمعناه يهمهم .. ولعجلتنا في سرعة حمله لم نميز ما يقول .ولكن عندما وضعناه في السيارة وسرنا ..
سمعنا صوتاً مميزاً ..
إنه يقرأ القرآن .. وبصوت ندي .. سبحان الله لاتقول هذا مصاب ..
الدم قد غطى ثيابه .. تكسرت عظامه .. بل هو على ما يبدو على مشارف الموت ..
• استمر يقرأ بصوت جميل .. يرتل القرآن ..
لم أسمع في حياتي مثل تلك القراءة .. كنت أحدث نفسي وأقول سألقنه الشهادة مثل ما فعل زميلي الأول .. خاصة وأن لي سابق خبرة كما أدعي ..
أنصت أنا وزميلي لسماع ذلك الصوت الرخيم ..
أحسست أن رعشة سرت في جسدي .. وبين أظلعي..
فجأة .. سكت ذلك الصوت .. التفت إلى الخلف .. فإذا به رافع أصبع السبابة يتشهد ..
ثم انحنى رأسه ..
قفزت إلى الخلف ..
لمست يده ...
قلبه .
أنفاسه .
لاشيء ..
فارق الحياة ..
نظرت إليه طويلاًُ .. سقطت دمعة من عيني .. أخفيتها عن زميلي .. التفت إيه وأخبرته أن الرجل قد مات ..انطلق زميلي في البكاء .. أما أنا فقد شهقت شهقة وأصبحت دموعي لاتقف .. أصبح منظرنا داخل السيارة مؤثرا ً.
وصلنا المستشفى ..
أخبرنا كل من قابلنا عن قصة الرجل .. الكثير تأثروا من حادثة موته وذرفت دموعهم .. أحدهم بعدما سمع قصة الرجل ذهب وقبل جبينه..
الجميع أصروا على عدم الذهاب حتى يعرفوا متى يصلى عليه ليتمكنوا من الصلاة عليه .
اتصل أحد الموظفين في المستشفى بمنزل المتوفي .. كان المتحدث أخوه .. قال عنه .. أنه يذهب كل اثنين لزيارة جدته الوحيده في القريه كان يتفقد الأرامل والايتام .. المساكين .. كانت تلك القرية تعرفه فهو يحضر لهم الكتب والأشرطة الدينية ..وكان يذهب وسيارته مملؤة بالارز والسكر لتوزيعها على المحتاجين .. وحتى حلوى الاطفال لا ينساها ليفرحهم بها .. وكان يرد على من يثنيه عن السفر ويذكر له طول الطريق .. إنني استفيد من طول الطريق بحفظ القرآن ومراجعته .. سماع الأشرطه والمحاظرات الدينية .. وأنني أحتسب إلى الله كل خطوة أخطوها ..
من الغد .. غص المسجد بالمصلين .. صليت عليه مع جموع المسلمين الكثيرة .. وبعد أن انتهينا من الصلاة حملناه إلى المقبرة .. أدخلنها في تلك الحفرة الضيقة ..
• وجهوا وجهه للقبلة ..
بسم الله وعلى ملة رسول الله .
بدأنا نههيل عليه التراب .
أسألوا لإخيكم التثبيت فإنه يسأل ..
اسقبل أول أيام الآخرة .. وكأنني استقبلت أول أيام الدنيا .. تبت مما عملت عسى الله أن يعفو عما سلف وأن يثبتني على طاعنه وأن يختم لي بخير .. وأن يجعل قبري وقبر كل مسلم روضة من رياض الجنة ..



من كتاب ( الزمن القادم ) لعبد الملك القاسم


شـوق الجنان

شوق الجنان
23-06-2003, 06:15 PM
أختي الحبيبة : تذكار



أشكرك على مرورك بالقصة


جزاك الله خيرا

أسأل الله أن يكتب لنا توبة صادقة خالصة قبل الممات


وأن يثبتنا باقول الثابت في الحياة الدنيا وعند الممات


أثابك الله اخيتي وسدد خطاك


شــوق الجنان